ترحال

نسيمُ يُداعبه و أصوات الزحام من حوله تُثير جنونه و تمنعه من الأستماع لصوت أفكاره يقرر غلق الشباك ليسمح للهدوء بالدخول

يضع سماعته فى أذناه ويُرهف السمع إلى تلك السيمفونيه
ويغلق عيناه

يعود النسيم ليداعبه

تتلاشى أصوات السيارات

وحده صوت الأمواج

حرارة الشمس

دخان سيجارته

تسارع الأوتار

ملح الدمع

و هو

وحده

تلاطم الموج يقذف به إلى البر

رمال ناعمه و ماء يتغلغل داخل أصابع قدميه

يسكُنْ الموج و يأتى صوتا يشدو

يا عيني يا عينى يا عينى ع الولد

‏….

يهوى صوت السواقى زى ولاد البلد

صوت هدير مياه السواقى ناى يخدش صدره

و رائحة الذُرة المشوية تختلط بالهواء

تسود العتمه

و تتبدل الكلمات

بعد ما داب و أشتاق و أحتار…. علق حلمه على الشماعة

دارى عيون عاوزين يبتسموا

و تظهر أبتسامات و وشوش

الكلمات تتبدل تنسيه الأبتسامة.. تذكره بعينيها

 فى عينيكى غربة و غرابة
……

و رغم الحاصل من زمان عزة نفسى كأنسان

أشتقتلك

يخلع عن أذنه السماعات

يفتح الشباك طارداً الهدوء

مُرحباً بالزحام

ممزوج بالنسيم

و قبل أن يداعبه

تأتى المحطة

فيترك الباص و يمضى لحال سبيله

الوحى

 

 

إضاءة خفيفة ذات وتيرة هادئا تُنير غرفة مكتبه… كان يحتسى القهوة و يُدخن فى ضجر! فهو لم يظفر بأية فكرة يكتبها منذ أكتر من شهرين

الأيام الأولى كان يُجالس الناس…. أما الآن وحيداً هو انبرى عن الجميع سعياً وراء الوحى

يمسك قلمه و يخُط خواطره  “لابد و أننى أصابنى النحس… لا شك! و ربما فقدت الموهبة، أو تلك لم تكن موهبة… كانت حالة عِشت بها و عاشت في… مَلكت حواسى فقادتنى إلى الكتابة فكتبتُ حينها
و ربما هو الزمن… فقد مر عليّ الكثير منه و بلغت من العمر أرذله، و هذا أسوأ ما يُبتلى به الأنسان”   قام من مكتبه

ذهب إلى مَكتبَتِه على أمل أن يقرأ كتاب يوحى له بفكرة…. لفت نظره كتاب كان قد أبتاعه منذ فترة و تركه وليمة للتراب

عنوانه “الروح” فتح أول صفحاته ليجد أهداء “إلى زوجتى…. الروح حلقة ذهبية مفروطة من سلسلة الألوهية، قد تصهر النار الحامية و تغير صورتها و تمحو جمالها… لكنها لا تغير النار إلى مادة آخرى، بل تُزيد لمعانها” الكاتب

بتلك الكلمات أهدى الكاتب القصة إلى زوجته
كلمات أحس بها أن داخله يستعد لأستقبال الوحى

لا يدرى كم من الوقت مر عليه و هو يقرأ
لا يدرى ماذا يكتب بعد أن قرأ… فقد تشابكت أفكاره و أبى أن يزوره الوحى

أمسك قلمه و كتب ملحوظة عما قريت
فى حياتنا و على مر تاريخنا البشري ولادة و زواج و موت…. فولادة فزواج و موت…. لولادة لزواج لموت… إلى أن يأتى فجر جيل جيد يولد فية مجنون ذو فكرة فيقصها علينا يقص على البشر ما رآه فى عالم غير هذا العالم و بين مخلوقات أرقى من سكان أهل الآرض الذين لا يرون فى أحلامهم سوى الولادة و الزواج و الموت

ترك قلمه … عاد إلى مكتبه يُدخن و ينتظر الوحى

صورة

بعد غروب الشمس بقليل، كان يسير وحده فى الطرقات… يبحث فى وجوه الناس عما يُلهيه… يُلهمه
و يبحث
يبحث عن أبتسامة رجل عجوز
عن ضحكة بنت صغيرة
عن مسكة يد وسط الزحام
عن أبتسامة بائع جائل فرحاً ببيعة ما
عن حُضن
عن لقاء بأشتياق…. و يبحث

و فى أحدى الطرقات وجد رجل عجوز يفترش الأرض جالساً ليستريح و يبتسم للمارين أبتسامة دفئ و أمل

فأمسك بكاميراته و أخذ له صورة… رجل فى العقد السادس أو السابع من عمره و لم يفقد القدرة على الأبتسام….. و فى وسط الزحام وجد من تتبسم له…. وجه مألوف
لعلها تبتسم لآخر

سار يكمل طريقه بحثاً عن صورة أخرى

فأوقفته تلك الفتاة
ألا تتذكرنى؟
تطلع إليها و هو يخفى الكاميرا خلف ظهره وضع على وجهه النحيل أبتسامة صغيرة و هو يرد: -والله فى الحقيقة، لا أتذكر تماماً و لو أن الوجه ليس غريب عنى

تجهم وجه الفتاة فى ضيق و قالت: لا عليك فقد مضى الكثير من الوقت… و لكن حدثنى عنك تبدو عليك ملامح الكبر؟
رد: لهذه الدرجة؟
أجابته: لم تكن كذلك فيما مضى… و أين أبتسامتك؟ لابد أنك عانيت من يوم شاق فى العمل
هل تزوجت؟
أجابها: لا
ردت: أسفه، و لكن علاقتكم كانت توحى بالنجاح
قاطعها: أتعرفينها؟
نعم، كنا أصدقاء! ألا تتذكر؟
لماذا لم نسمع عنك منذ فترة؟ أين ذهبت؟ ألازلت تعمل فى تللك المستشفى؟

لماذا لا تُجيب؟؟
يرد: فى الواقع أنا لا أتذكرك، لعله أختلط عليكى الأمر… ربما أنا شخص آخر غير من تظنينى أياه…. أو هكذا أصبحت

ألازلت تحبها؟؟
يخرج كاميرته و ينظر أليها و يقول لا أحب سواها و يتركها و تظل تتبعه بعينها حتى يبتلعه الزحام