المريض

Image

إنها قصة من قصص كثيرة كُتبت ولم تُقرأ بعد

كُنت طالباً بطب القصر العيني… أهوي الطب النفسى و فى قرارة نفسى نويت أن أتخصص به و أزاوله بعد التخرج
شغوفاً بقرأة الأبحاث و الكٌتب عن الطب النفسى و حتى الروايات،
ذهبتُ فى الإجازة الصيفية   مصحة نفسية يمتلكها احد أقاربى للتدرب
مُتابعاً بعض الحالات تحت إشراف من ذلك القريب… و أتذكر فى بدايتى أنى قابلت هذا المريض…. شاب فى مثل عمرى..اثنان و عشرون عام

ظننتٌ أن العلاج النفسى فى مصر فى ذلك الوقت غير منتشر فى مثل تلك المرحلة العمرية
أثارنى الفضول لكي أعرف حالته و ماذا آتى به إلى هُنا؟ ليس الفضول وحده بل أيضا الوحدة، فكانت تمر علي أيام فى المصحه دون الحديث مع أحد
كان هذا الشاب دائم الجلوس فى حديقة المصحة… يقرأ، يُدخن و يشرب القهوة بشراهه…. وتعجبت من أنهم يسمحون له بكل هذه الكمية من المنبهات

و فى يوم ما كنت الطبيب الوحيد فى هذا الوقت داخل المصحه و وجدته قادماً نحوى يهم بالحديث معى
لم يكن حديثاً مُطولاً، كان يطلب منى اذن بالخروج لساعات لحضور دفن و الصلاة على والد أحد صديقاته الذى توفى بالأمس
و لم يكن فى ملفه ما يمنعنى من رفض طلبه.. فوافقت له على الخروج، و بعد خروجه قادنى فضولى إلى أن أقرأ ملفه بالكامل لأرى ما بداخله وما هى حالته

كلام كثير فى ملفه لا فائده له… يمكنك أن تلخص الملف بأن صاحبه سريع جداً فى تقلباته المزاجيه و يعانى من البرانويا
و تلك أمراض يمكن الحد منها عن طريق تعديل كيمياء المُخ عن طريق المواظبه على الأدوية
مرت أيام دون أن أجد ذلك المريض فى المصحة

ثم وجدته فى نفس المقعد فى الحديقة و لكنه كان يبتسم على غير العادة… مما أثار فضولى!
ذهبتُ إاليه و بدأت الكلام بتعريف نفسى…
بدأت حديثى معه بتعريف نفسى … الدكتور “اسلام” و قالى له أن اسمه “محمد”
أول حديث لنا لم يكن أكثر من تعارف و كلام عادي حتى لا يشعر المريض أننى أحدثه لمساعدته أول لحالته النفسيه…. كنت أقضى أغلب الوقت فى غرفتى و ان خرجت منها أنظر للحديقة لأبحث عن “محمد” و إن وجدته أذهب لنحتسى القهوة سويا و نتحدث فى مختلف أمور الدنيا

كنت حريصاً على ألا أسأله ماذا جاء به إلى هنا؟ و لماذا لا يأتى أحدا لزيارته؟
إلى أن جاء اليوم الذى قص فيه عليّا ما يؤلمه

فحَكىّ
كنت طالباً فى طب القصر العينى لم أكن طالباً مجتهداً لكن بالتأكيد لم أكن فاشل فشلاً ذريعاً
لا أتذكر أنى كنت حزينا فى ما مضى… لا أتذكر أننى كنت أدخل فى فترات اكتئاب كتلك
أظن أن ما أدى بى لذلك هو فُقدى التام للثقة فى كل من عرفت

فقصتى بأختصار أننى أحببت فتاة كنت أحس بأن هناك أخر يُحبها و سألته و نفى ذلك…. فصارحتها بحبى لها وكانت فى مثابة أعز صديقاتى و أقربهم لي فى ذلك الوقت… فرفضت بحجة فارق السن بينى و بينها…
ظلت من أقرب أصدقائى و تقبلت الرفض رغم ما سبب لى من ضيق فى ذلك الوقت و كنت أكذب عليها و على نفسى أننى بأستطاعتى تقبل الوضع الحالى

مضت الشهور و كانت تظهر فى كل الأماكن و يظهر معها هذا الآخر
لم أرد أن أسبب لها حرجاً و قلتُ لها أنها بمثابة أخت لى و إن أرادت الأرتباط بهذا الآخر فلن يأذينى هذا فى شئ…. تقبلت كلامى بضحك و أن هذا الآخر ليس أكثر من صديقاً لها

مرت الأيام و هما متلازمان، الكل يتحدث عن أنهما مرتبطان و هى تنفى لي و أنا أصدقها فهي أقرب أصدقائى
وفي يومٍ ما أخبرتنى أنه اعترف بحبه لها و أنها رفضته و أنه الآن لا يطيقها و يسبها بل و يتهمها أنها كانت تحبه إلى أن رأتنى فأحبتنى!!
وصار مهوساً بها و يتهم كل من يُحدثها أنه يحبها
وقصت لى عن ما يفعل و زرعت الكره بداخلى لهذا الآخر
إلى أن جاء اليوم و وجدته يتصل بي و يقول لى أنه يريد محادثتى فذهبت

لا أعلم لماذا و هو يحكى هذا الجزء أحسست بضيق حاد فى النفس و حاولت جاهدًا أن أخد أنفاسى لكننى لم أستطيع و لم أحس بى إلا و أنا على سرير غرفتى و المحاليل موصله بذراعى و بدى لي حينها أن أُصبت بهبوط فى الدورة الدموية

مر أسبوع و أنا أبحث عن “محمد” و لا أجده
فضولى كان يقتًلنى لأعرف ما دار بينه و بين هذا الآخر لكن شئ ما كان يُخيفني من أن أمضى قدمًا فى هذا الطريق و أعرف ما حدث
و فجأة سمعت صوته

كان يُريد أن يُكمل لي ما بدأ ذهبت إليه بكثيرٍ من الخوف وقليلٍ من الفضول
بعد أن أطمئن على صحتى قال لي: أين وقفنا بحديثنا؟
أخبرته: عند لقائك بهذا الآخر

فأكمل قصته

… ذهبت لأقابله و الكره يملؤنى و قبل أنا أقابله وجدتها تتصل بي باكيةً و ترجونى إلا أفتعل مع مشاجرة و إلا أتعرض له بالضرب…. حتى لا يتحدث الناس أن رجلان تشاجرا من أجلها

ذهبت إليه و سمعته و قال لي أنه مرتبط بها منذ شهور و أنهم على أتفاق عندما يحين الوقت المناسب سيذهب إلى أهلها لخطوبتها. و قال لي أدق التفاصيل التى لا احد سوانا يعرفها و كنت أنا من أحسبها أعز صديقه لى فأحكيه لها ….. و كانت تللك أكبر صدماتى لم أركز فى شئ بعدها صار كل تفكير أنها لمدة شهور مضت كنت لعبة؛

عشت فى أكذوبة هى تقول لي لا أستطيع رؤيتك اليوم وحدنا لأتى مرهقة و هو يخبرنى الآن أنها لم ترانى لأنه لم يسمح لها… كانت تقول لى أنها ذاهبه مع والدتها لقضاء مشتريات المنزل و هو يقول لي الآن أنه أصطحبها حينها إلى الأسكندرية لقضاء يوماً…. فقدت الثقة فى كل من حولى و أهملت دراستى.. و

كان كلامه مألوفاً لدي كأنه قصه عليّ من قبل…. لا بل عشتها
تلك كانت قصتى أنا! لم تكن قصته هو…. و أنا لم أكن الطبيب، كان هو من يسمحون له بالخروج من المصحة وقتما شاء والتدخين وقتما شاء….
كان هو الطبيب و أنا …. المريض

و أنهمرت أسألتى على الدكتور كالمجنون… لماذا لم تُخبرنى؟؟
و لماذا هو لم يخبرنى عندما سألته؟

و إن أرادا أن تكون علاقتهما سرية… لماذا بعد أن صارحتها بحُبى و رفضتنى ظلت صديقة لي؟ بل لماذا زادت صدقتنا… كانت من الممكن أن تبعد! كان يجب أن تبعد

لماذا كل هذا الكذب؟
كثرت تساؤلات…. و لم يمتلك هو إجابة لها… كنت فى كل مرة أطرح عليه تساؤلات جديدة تُشغل فكرى… و أصحوا على سريري فى غُرفتى أحسب أننى أصُبت بهبوط… لكنها كانت الحقنة المُهدئة

كل ما أردته أن أكُف عن التفكير فيما مضى … فالماضى كنت أحسبه أنا و هى… فجأة أكتشفت أننا كنا أنا و هى و هو… و ربما هما… أو هم … لعلهم كثيرون

و لعلى حياً فى مكان ما

Advertisements

One thought on “المريض

  1. larry says:

    nice one ya sarty 🙂

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s