شرخ

أمسك خوص من كثير مُلقى بجواره
أخرج أدواته و أمعن فى الحفر
و عندما فرغ منه… أعاد أدواته و مسك الخوص بأنامله و وضعه على شفتيه و داعبه بأنفاسه…. فأحياه، و صار الخوص ناى يتحدث بأنفاس صاحبه
يأن لحزنه
و يغنى لفرحه
كان اللحن حزين… فالأنغام تُقظ الذكريات… تعبث بالماضى… تفتح له أبواب كان قد غلقها و تناسى وجودها

ففتحت الأبواب و تذكر…. تذكرها

تذكر ما كان… و من كان

تذكر الصورة التى كان يظنها هى….كم كانت جميلة، أبدع هو فى تخيل صفاتها

وضع فيها كل ما يحب
و صدق منها كل ما أدعته

صار اللحن أقسى عليه كلما غاص أكثر فى بحر ذكرياته…. و قبل وصوله إلى القاع… أنشرخ الناى

و فاق من غيبوبته… و كأن الناى يطلب منه أن يتمسك بواقعه و ينسى ماضِ كان من تأليفه

ولكنه عشق هذه الكذبه …. عشق هذا التأليف….. فعاد إلى الخوص المُلقى ليخلق ناى جديد

Advertisements

رحلة

قيل: لى ستموت غداً…… فأنظر تلك نهايتك

لك يومك الأخير فأظفر به، قد حانت ساعتك

فماذا ستفعل في ما تبقَّى من الوقتِ؟

قلت فى قرارة نفسى ما ندمت على شخص عرفته…. بل ندمت على شخص لم أعرفه…. أو شخص كنت أحسب أننى أعرفه

لن أندم على كلمات قلتها…. بل ندمت على كلمات لم أقولها

أنظرُ في ساعة اليد وأطيلُ التأمُّلَ فيها…. و أسأل نفسى: أأودعهم؟!….. أخبرهم بأنى راحل؟ أم أرحل فى صمت؟

لم أطيل على نفسى فى التفكير لأيجاد حل لهذا السؤال…. فقد كنت أعلم أنه يوجد أهم من التفكير لأفعله فى ساعاتى الأخيرة…… فماذا نفعنى التفكير فيما مضى؟!

كانت للأشياء اليوم مذاق خاص…. كأنى أفعلها للمرة الأولى….. بل كنت أعلم أنها الأخيرة

 أُعِدُّ طعامى الأخير…. فنجانى الأخير…. أصب كأسى الأخير و أدخن مع أخر أنفاس لى فى تلك الحياة

أمسكت بقلمى و كُراستى وددت أن أخُط سطور نهاية قصتى

كنت أكتب فيما مضى…. كنت أعبر عنما أحس بالكتابة… اليوم و قد فقدت كل الأحاسيس لا أشعر بالرغبة فى الكتابة، أرمي كُراستى……هذيّ في سلة المهملات
أمشّط شَعْري…. أسمع ما أحب من الموسيقى… أقرأ شعراً..وأرى كيف تذهب مني حياتي إلى الآخرين، ولا أتساءل عَمَّنْ سيملأ نقصانها
لم أفكر فيما بعد الموت لا بالنسبة لى أو بالنسبة لهم…. فأنا ذاهب للعدم لا يجول بخاطرى أي هاجس عما سألاقى… ولا أى هاجس عن تلقيهم خبرى…

أنهض من مقعدى
وألبس أحدث و أقيم ثيابى
أتعطر بأفضل عطورى و أغلاها،
وأُشَيّع نفسي بحرق كُتبى…. صورى و ذكرياتى
ثم أمشي وحيداً إلى المقبرةْ